سهيلة عبد الباعث الترجمان
739
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » ثم شهد لهم النبي أنهم يعبدونه بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم " كل ميسر لم خلق له " « 2 » لأن الجن والإنس مخلوقون لعبادته ، وهم ميسرون لما خلقوا له ، فهم عباد اللّه بالضرورة " « 3 » . فهذه صورة المعبود الواحد الذي ترتكز عليه فكرة الجيلي في وحدة المعبود ، فلا تعدد في ذاته ، ولا مشاركة في عبادته ، بل الكل مسخرون لتوحيده في ذاته وعبادته ، وبالرغم من هذه الوحدة القائمة في ذات المعبود ، إلّا أن العبادات متعددة متكثرة ومتنوعة ، لأنها تختلف باختلاف تجليات الأسماء والصفات ، فهي مظاهر لحقائق هذه الأسماء والصفات ، وقد تجلّى الحق في جميعها بذاته ، فعبدته الطوائف بما تجلّى لها ، وليس تنوع العبادات ، وتعدد الملل والنّحل ، وتكاثر الطوائف في حقيقتها إلّا مجرّد وسائل يتوسل بها العابد للوصول إلى غاية واحدة وهي عبادة إله واحد ، وبذلك يتفرّد المعبود بالوحدانية التامة دون أدنى مشاركة ، ويشير الجيلي إلى حقيقة ذلك بقوله : " ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات ، لأن اللّه تعالى متجل بإسمه " المضل " كما هو متجل بإسمه " الهادي " ، فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم " « 4 » . ولم يقتصر تعدد الأديان على مقتضيات الأسماء والصفات فقط ، بل لاختلاف أرباب هذه الأسماء والصفات ممّن تجلّت عليهم ، فكان منهم من تحقق بالقرب من معبوده ومنهم من حرم ذلك فعبده عن بعد ، فظهرت نتيجة ذلك أنواع العبادات وأصناف المتعبدين بكثرتهم ، ووقعوا تحت تأثير مقتضيات الصفات ، فقال : " واختلف الناس في أحوالهم لاختلاف أرباب الأسماء والصفات ، قال اللّه تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً « 5 » ، يعني عباد اللّه المجبولين على طاعته من حيث الفطرة الأصلية ،
--> ( 1 ) سورة الذاريات ، الآية : 56 ك . ( 2 ) الحديث : أخرجه البخاري رقم 4568 ، ورواه الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي بكر أن رسول اللّه قال " كل ميسر لما خلق له " . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 80 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 80 . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 213 م .